القرطبي

200

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اختلفوا فيه فهدانا الله له - قال يوم الجمعة - فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " فقوله : " فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه " يقوى قول من قال : إنه لم يعين لهم ، فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل " اختلفوا " . وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا . ومما يقويه أيضا قوله عليه السلام : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا " . وهذا نص في المعنى . وقد جاء في بعض طرقه " فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه " . وهو حجة للقول الأول . وقد روى : " إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع " . قوله تعالى : ( على الذين اختلفوا فيه ) يريد في يوم الجمعة كما بيناه ، اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى . ووجه الاتصال بما قبله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتباع الحق ، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود . قوله تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموضعة الحسنة وجد لهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ( 125 ) فيه مسألة واحدة - هذه الآية نزلت بمكة في وقت الامر بمهادنة قريش ، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف ، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة . فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين ، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين . وقد قيل : إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجى إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة . والله أعلم . قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( 126 )